بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ولقد أحسن من قال في تفسير قوله تعالى:
"ولا تنس نصيبك من الدنيا"وهو الكفن ..
فهو وعظ متصل بما تقدم من قوله:
"وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة"
أي: اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة ..
وهي الجنة ..
فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة
لا في الطين والماء والتجبر والبغي فكأنهم قالوا:
لا تنس أن تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن ..
ونحو هذا قال الشاعر:
هيَ القناعة لا تبغِ بها بدلا
فيها النعيمُ وفيها راحة البدنِ
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها
هل راح منها بغير القطنِ والكفنِ
موعظة
أين استعدادك للموت وسكرته؟
أين استعدادك للموت وضمّته؟
أين استعدادك لمنكرٍ ونكير؟
أين استعدادك للقاء العليِّ القدير؟
فتفكـّر يامغرور في الموت وسكرته ..
وصعوبة كأسه ومرارته ..
فيا للموت من وعد ما أصدقه ومن حاكم ما أعدله ..
كفى بالموت مُقرحاً للقلوب ..
ومُبكياً للعيون ..
ومفرقاً للجماعات ..
وهاذماً للذات ..
وقاطعاً للأمنيات ..
فيا جامع المال ..
والمجتهد في البنيان ..
ليس لك والله من مال إلا الأكفان ..
وجسمك للتراب والمآب ..
فأين الذي جمعته من مال؟
هل أنقذك من الأهوال؟
كلا!! بل تركته إلى من لا يحمدك ..
وقدِمت بأوزارك على من لا يعذرك ..
تزوّد مِن التقوى فإنك لا تدري
إذا جَنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ
فكم مِن صحيحٍ ماتَ مِن غيرِ عِلَّةٍ
وكم مِن سقيمٍ عاشَ حيناً مِن الدهرِ
وكم مِن صبيٍّ يرتجى طول عمره
وقد نُسجت أكفانهُ وهو لا يدري
ألـــــــم المـــوت
إعلم أن للموت ألماً لا يعلمه إلا الذي يعالجه ويذوقه ..
فالميت ينقطع صوته ..
وتضعف قوته عن الصياح لشدة الألم والكرب على القلب ..
فإنّ الموت قد هَدّ كل جزء من أجزاء البدن ..
وأضعف كل جوارحه ..
فلم يترك له قوة للإستغاثة ..
أما العقل فقد غشيته وسوسة ..
وأما اللسان فقد أبكمه ..
وأما الأطراف فقد أضعفها ..
ويَوَّدُ لو قد يستطيع على الإستراحة بالأنين والصياح
ولكنه لا يقدر على ذلك.!!
فإن بقيت له قوة سُمِعَ له عند نزع الروح
وجذبها خوارٌ وغرغرة مِن حلقه وصدره ..
وقد تغيَّر لونه وأزبد ..
ولكل عضو مِن أعضائه سكرة بعد سكرة ..
وكربة بعد كربة ..
حتى تبلغ روحه إلى الحلقوم ..
فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها ..
وتحيط به الحسرة والندامة إن كان مِن الخاسرين ..
وإن كان من المتقين تحيط به الفرحة والسرور ..
فيا أيها المغرور:
فما لكَ ليسَ يَعمَلُ فيكَ وعظـٌ
ولا زَجرٌ كأنكَ مِن جَمــــادِ
سَتندَم إن رَحَلتَ بغيرِ زادٍ
وتشقى إذ يُناديكَ المُنادي
فلا تأمَنْ لِذي الدُنيا صَلاحاً
فإنَّ صَلاحها عين الفسادِ
ولا تَفرح بِمالٍ تقتنيهِ
فإنكَ فيهِ معكوس المُرادِ
وتُب مما جَنيتَ وأنتَ حيٌّ
وكُن مُتَنبـِّهاً قبلَ الرقادِ
أترضى أن تكونَ رفيقَ قومٍ
لهم زادٌ وأنتَ بغيرِ زادِ ؟!
الموت حق لا ريب فيه ويقين لا شك فيه :-
{وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ }
ق19
فمن يجادل في الموت وسكرته؟
ومن يخاصم في القبر وضمته؟
ومن يقدم على تأخير موته وتأجيل ساعته؟
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً
وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }الأعراف34
فلماذا تتكبر أيها الإنسان وسوف تأكلك الديدان؟
ولماذا تطغى وفي التراب ستـُـلقى؟
ولماذا التسويف والغفلة وأنت تعلم أن الموت يأتي بغتة؟
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }الأنبياء35
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو
الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }الرحمن27 26
{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
القصص88
حقيقة الموت
يخطئ من يظن أن الموت فناء محض وعَدَم تام ..
وليس بعده حياة ولا حساب ولا حشر ولا نشر
ولا جنة ولا نار ..
فإذا كان الأمر كذلك لاستوى الناس جميعا بعد الموت
واستراحوا ..
فيكون المؤمن والكافر سواء ..
والقاتل والمقتول والظالم والمظلوم سواء ..
وهذا مذهب الملاحدة الذين هم شر من البهائم ..
فلا يقول ذلك إلاّ من خلع رداء الحياء ..
ونادى على نفسه بالسفه والجنون ..
قال تعالى:
{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ
ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }التغابن7
ولو أنـّـا إذا متنا تركنا ** لكان الموت غاية كلِّ حيٍّ
ولكن إذا متـنـا بـُعـثـنا ** ونـُسأل بعده عن كل شيء
فالموت... هو انقطاع تعلـّق الروح بالبدن ومفارقتها له
والانتقال من دار إلى دار ..
وبه تطوى صحف الأعمال ..
وتنقطع التوبة والإمهال ..
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغِر"
{الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم وابن حبان}
الموت أعظم المصائب
والموت... من أعظم المصائب ..
وقد سمّاه الله تعالى مصيبة في قوله:
"فأصابتكم مصيبة الموت" المائدة 106
فإذا كان العبد طائعاً ونزل به الموت ندم أن لا يكون
ازداد من الأعمال الصالحة ..
وإذا كان العبد مسيئاً ندم على التفريط وتمنى العودة
إلى دار الدنيا ليتوب إلى الله ..
ولكن هيهات..هيهات..
{وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ }فصلت24
{حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ
صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ
إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }المؤمنون99-100
اذكروا هاذم اللذات
حث النبي صلى الله عليه وسلم على ذكر الموت والإكثار
منه فقال:
"أكثروا من هاذم اللذات"
{الترمذي وحسنه}.
أولئك الأكياس
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
أتيت النبي صلى الله عليه وسلم عشر عشرة فقام رجل من
الأنصار فقال:
"يا نبي الله" من أكيس الناس وأحزم الناس؟
قال: "أكثرهم ذكراً للموت وأكثرهم استعداداً للموت أولئك
الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة"
(الطبراني وحسنه المنذري}.
وقال التميمي:
"شيئان قطعا عني لذة الدنيا:
ذِكر الموت وذِكر الموقف بين يدي الله تعالى".
وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يجمع العلماء
فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة فيبكون حتى كأن بين
أيديهم جنازة.!
وقال الدقاق:
مَن أكثر مِن ذِكر الموت اُكرِم بثلاثة أشياء:
تعجيل التوبة وقناعة القلب ونشاط العبادة
ومَن نسيَ الموت عوقِب بثلاثة أشياء:
تسويف التوبة وترك الرضا بالكفاف والتكاسل
في العبادة.
وقال الحسن:
"إنّ هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم
فالتمسوا عيشاً لا موت فيه"
أذكـُرُ الموتَ ولا أرهَبُهُ
إنّ قلبي لغليظٌ كالحجر
أطلبُ الدنيا كأني خالدٌ
وورائي الموتُ يقفو بالأثر
وكفى بالموت فاعلم واعظاً
لمن الموت عليه قـُدر
والمنايا حوله ترصده
ليس يُنجي المرء منهن المفر
أخيرا وليس آخراً :-
تزوّد مِن التقوى فإنك لا تدري
إذا جَنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ ؟