آداب ذكر الله تعالى
ذكر الله تعالى هو روح جميع العبادات، وهو المقصود من كل الطاعات والقربات، وهو أفضل من جميع الأعمال الصالحات، وهو منتهى حياة المؤمن ونورها وغايتها وخلاصتها في الدنيا والآخرة. قال تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ العنكبوت 45. وقال سبحانه وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) طه 14، وقال: وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ البقرة 203.
روي عن معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله أي المجاهدين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله تعالى ذكرا . قال: فأي الصالحين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله تعالى ذكرا . ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أكثرهم لله تعالى ذكرا . فقال أبو بكر لعمر: يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير فقال صلى الله عليه وسلم: أجل . رواه أحمد والطبراني.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا بلى، قال: ذكر الله تعالى رواه الترمذي عن أبي الدرداء. وقال: أحب الأعمال الى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله رواه ابن حبان والطبراني عن معاذ.
ولكل عبادة من العبادات وقت معيبن وشروط محددة، ولكن ذكر الله تعالى لا يحدده مكان، ولا يحدده زمان، ولكنه مطلوب على جميع الأحوال، وفي كل الأوقات، قال تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ آل عمران 191. (وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الله على كل أحيانه) رواه مسلم عن عائشة. وقد أوحى الله لموسى يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك؟ فخر لله ساجدا ثم قال: يا رب وكيف ذلك؟ فقال يا موسى: ( أما علمت أني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني).
ولم يطلب الله سبحانه من عبادة الإكثار من شيء، إلا ذكر الله فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) الأحزاب. وقال: وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (45) الأنفال، وقال: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (35) الأحزاب.وقال صلى الله عليه وسلم: سبق المفردون ، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات رواه مسلم عن أبي هريرة.
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها. بل إنه جعل إحدى علامات المنافقين أنهم يذكرون الله تعالى ولكنه الذكر القليل الذي لا يثمر محبة، ولا يورث خشية، ولا يحدث تقوى ولا إيمانا قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) النساء.
وإذا كان الإيمان شجرة باسقة جذورها العقيدة الصحيحة باله، وفروعها العمل الصالح النافع، وثمارها الأخلاق الكريمة الطيبة، فإن ماءها الذي تسقى به والذي فيه استمرار حياتها إنما هو ذكر الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت رواه البخاري. وقال: والذي نفسي بيده إن القرآن والذكر ينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب رواه الديلمي.
ومن بين شرائع الإسلام الحقة انتقى منها معلمها الأول أنفعها وأكثرها ضرورة للتمسك به، والثبات عليه، ( فقد جاء رجل اليه وقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به؟ قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله رواه الترمذي). كيف لا وذاكر الله تعالى جليس ربه الذي يفيض عليه من علمه وحكمته ومراقبته بحسب صلته به وقوة توجهه إليه، قال تعالى: فاذكروني أذكركم البقرة 151.
وقال في الحديث القدسي ( أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) رواه البيهقي وابن حبان عن أبي هريرة. وقال عليه الصلاة والسلام: إن ذكر الله شفاء، وإن ذكر الناس داء رواه البيهي، وقال أحد الصالحين: إني أعلم متى يذكرني ربي سبحانه، ففزعوا منه وقالوا: وكيف تعلم ذلك؟ فقال: إذا ذكرته ذكرني.
وذكر الله تعالى هو العاصم من الوقوع في الخطايا، وهو الوازع للنفس يكفها عن غفلتها وميلها الى الباطل، واتباعها للهوى، قال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) الكهف. وقال عليه الصلاة والسلام: من أصبح وأمسى ولسانه رطب من ذكر الله يمسي ويصبح وليس عليه خطيئة رواه الأصبهاني عن أنس.
وذكر الله تعالى هو العمل المرتجى للنجاة من عذاب الله تعالى، إذ أن أشد العذاب الذي يصيب الإنسان إنما يأتيه بسبب الغفلة عن الله، وما وقع من وقع، ولا زل من زل، ولا أذنب من أذنب إلا بسبب غفلته عن الله تعالى قال الله عز وجل: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) الزخرف،
وقال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126) طه.
وقال صلى الله عليه وسلم: ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله ، قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا ان تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثم تضرب به حتى ينقطع، ثم تضرب به حتى ينقطع رواه مسلم.
ومجالس الذكر التي يجتمع عليها الذاكرون،
فتلتقي أرواحهم في بوتقة واحدة، ويستمد ضعيفها من قويها، وتستمد جميعها من مصدر الخير والكمال والفضل والعطاء، والنور والهدى والإيمان، هي رياض الجنة، ومجالس الرضوان
قال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ الكهف 28،
وقال صلى الله عليه وسلم: لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فيما يرويه عن ربه: يقول الله تعالى يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل الكرم؟ قيل: من أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر في المساجد رواه أبو يعلى وأحمد.
وأي شرف أعظم لهذا الإنسان الضعيف، من قول الملك العظيم، الكريم الحلي حين يخاطبه في الحديث القدسي فيقول: ( إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه، وإذا تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، وإذا تقرّب مني ذراعا تقربت منه باعا، وإذا مشى إلي هرولت إليه) متفق عليه
عن أبي هريرة، ويقول: ( يا ابن آدم إذا ذكرتني شكرتني وإذا نسيتني كفرتني) رواه الطبراني والديلمي عن أبي هريرة.
ويقول: ( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) رواه البخاري والبزار والبيهقي عن ابن عمر.
.
.
يتبــع