كنت أميل رأسي أمام البحر لليمين كي أنظر له بتحيز ايماني.. من الجميل أن تكون بعض مبررات غبائي نبيلة.. لو كان للغباء طرف آخر لتمنيته، ولكن حتى الذكاء مجرد وصف مهذب لدرجة معينة من الغباء.. لا أدري إن كان الإنسان أداة صالحة لقياس الكون، ولا أدري أن كان يوجد مبرر غير إيماني واحد قادر على تبرير وجوده في هذا الكون الذي يحاول صياغته كما يريد.. لا لأنه معقد وغبي وذكي ومتناقض وطيب ولعين ومختلف ومتغير وغير متوقع فقط، بل لأن وجوده وتطوره يشكل تهديدا حقيقيا للبيئة التي يعيش فيها ويتكاثر عليها.. لو تخيلت نفسي كائنا غريبا جاء من كوكب آخر لأرسلت رسالة عاجلة إلى أهل كوكبي مفادها أني اكتشفت أن الإنسان هو الكائن الأخطر على وجه هذا الكون المتباعد القسمات.. لكني مجرد صعلوك يزف اللعنات عذاباً على القطط التي تكتفي بارتداء الدفء أمام بقعة البحر الباردة والبائسة.. لا أدري إن كان السمك يتسكع في البحر بزعانف شتوية.. ولا أدري إن كانت مناقير الطيور الكادحة تزرق برداً كلما غمست رؤوسها في البحر لتحول الأسماك ذات الزعانف الشتوية إلى مجرد سعرات حرارية.. إني فعلاً لا أدري إن كان يوجد كائن آخر يشارك الإنسان ضعفه الهائل حين يجرد من أشيائه الصغيرة..
أمام باب شقة الرفاق انتابني شعور غريب جعلني أطرق الباب بسعادة عارمة.. إن الأفكار التي تسرق الدفء من دمي تهرب بذعر كلما طرقت الباب.. أتمنى ألاّ يفتح لي أحد .. أريد طرق هذا الباب حتى الأبد.. لو كانت الأشياء القبيحة تطيع الجاذبية مثل التفاح لعلقت نفسي مثل الخفاش وهززت رأسي بعنف لتسقط..
إني أشاهد عيناً ما تسترق النظر من " العين السحرية " التي تتوسط جبين الباب..لا يوجد شيء سحري في باب شقة الرفاق.. إنها مجرد ثقب واقعي يسمح للمجهول أن يعرف عن نفسه في مقل الكائنات التي لم تعد تثق إلا بالأشياء المعهودة ..
-إنه أنا افتح يا لعين!
لو كنت أملك ذيلاً مثل القطط لكنت أحركه الآن بعصبية محاولاً التواصل مع ذيل الكائن الذي يراقبني خلف الباب.. إلاّ أني لا أملك ذيلا لذا جلبت معي قبائل العبارات الغاضبة لتشارك يدي الهجوم على الآذان المعلقة كعلامات استفهام على جنبي رؤوس الرفاق.. أخيراً فتح الباب فبدأت معالم الوجه الذي فتحه تصبح أكثر منطقية.. إنه صديقي "تركي" الذي يستطيع بابتسامته اللامبالية اقتحام عالمي الغاضب بكل سهولة..
- حقاً الأشباح لا تحمل المفاتيح ..!
نظرت إليه طويلاً .. ثم أشعلت سيجارتي وأعطيته ظهري وذهبت
- هيه! إلى أين ..؟
لم أكن أملك جواباً مقنعاً لذا هززت كتفي فقط دون أن ألتفت إليه .. قبل أن أركب السيارة خرج من الشقة بسرعة وهو يقول!
- انتظر يا طحلب سأذهب معك ..
بعد عشرين دقيقة من ركوب تركي معي قررت الاستسلام والذهاب معه إلى البنك بعد أن روى لي كاذباً قصة معزاها أن هذا الكوكب سينهار إن لم يسحب كل رصيده من البنك هذا اليوم..
إني أكره البنوك والأسواق وجميع الأماكن المسكونة بالمخلوقات الأنيقة والمصطنعة.. لذا كان إحساسي بالضيق ألعن عندما توقفت عجلات السيارة أمام المجمع التجاري وعندما توقفت قدمي أمام باب البنك .. كنت أشاهد تركي من خلف الزجاج وهو يناقش الموظف الذي خنق نفسه بطوق ثوبه بحجة الأناقة.. بعد أن مللت من مشاهدته بدأت أتخيل النقاش الذي يدور بينهما بعبث..
وكأن تركي قال:
- لا شيء يشترى بالمال .. المال مجرد حجة لعينة وجدت لتعقيد وصول الأشياء التي لا يحتاجها
الإنسان إلى الإنسان الآخر الذي يحتاجها..
ضرب "أبو طوق" مكتبه الصغير بغضب وهو يقول
- ما الذي تقوله ؟! هل أتيت لتسحب رصيدك أم لتملأ رأسي بهذا الهراء ..!!
ارتبك تركي ثم قال لأبو طوق
- لم أقل هذا ولكن الطحلب الكائن خلف الزجاج هو من يتخيل بأني أقول هذا الهراء ولا أدري كيف استطعت أن تتواصل معه!!..
يا للهول إن شيئاً ما ليس على ما يرام الآن .. تركت صديقي في واقعه قبل أن أتسبب فعلاً بحدوث خلل ما وصرت أتجول بين ممرات السوق .. لا أدري لمَ أشعر دائماً بأني متورط بكل شيء حولي.. وكأني قادر على تخريبه.. الآن أتذكر أنف الأستاذ الكبير وهو يترنح مع الجمل التي تشرح نظرية خطر التفاحة "الخربانة" على بقية التفاحات " الكويسة " .. والآن فقط اكتشفت بأن أنف الأستاذ كان يحاول أن يخبرني بأن الأستاذ مجرد غبي آخر ... فالإنسان ليس التفاحة بل "الدودة" التي تخرج رأسها بفضول منها .. بعضهم يتحول إلى فراش والبعض الأخر يبقى كما هو.. أي مجرد دودة .. حتى أنا مجرد غبي آخر في سلسلة الشقاء العقلي.. ولكني لا أبالي على الأقل..
فجأة شعرت بشوق طفولي للديار .. كنت أنظر لعيني الفتاة التي تحمل الأكياس الكبيرة على أنهما نجمتان لو تبعتهما بقلب أبيض فسأصل لبيتنا الصغير حيث لا تغلق الأبواب أبداً.. لو لم تكن الشياطين تزاحم النوايا الطبية لحملت معها الأكياس ولأخبرتها عن روعة الدنيا في عيني حين لا أنظر إلا لها..
- هيه !..
أفقت من حلمي الصغير على صوت حارس الأمن الذي كان يتقدم نحوي بتوتر وكأن سأفجر المكان.. وقف أمامي ثم وضع يداه على خصره وقال بوقاحة
ما الذي تفعله هنا ؟
- لا أفعل شيء .. فقط أحلم
- حسناً لا تحلم هنا فهذا السوق للعائلات..
لا أدري لمَ انفجرت ضاحكاً .. ولا لمَ شعرت بأنني انهرت بكل سخافة بعيداً عن حلمي وأمام حارس أمن في سوق "للعائلات فقط " .. إن شعوراً مؤلماً حد الخدر يمزج الضحك الهستيري
بالبكاء المقموع في داخلي..
لمَ تضحك؟
نظرت إليه بلا مبالاة وقلت بصدق
- إني فعلاً لست وغداً بما يكفي لأعرف..
في الخارج حيث لا يبالي المطر إن كنت أعزب أو لا.. كان سؤالاً واحداً يدور في صدر مخلوق يشعر بأنه ولد قبل خمس دقائق " هل توجد حبكة واقعية للحياة ؟ " .. صديقي تركي الذي أغلق باب السيارة بقوة لا يبالي إن كانت للحياة حبكة واقعية لأن الحياة بنظره لا تستحق عناء التفكير بها.. قلت له بعد أن تبحرت في ابتسامته المحايدة واللعينة
- هل سحبت رصيدك؟
ضرب جيب ثوبه الأمامي بانتصار وقال بفرحة
- نعم 783 .. ريال .. لتذهب الرأسمالية إلى الجحيم.. الغداء على حسابي يا صديقي الطحلب
..
إن الطريق الأسود الطويل يشرق ويتسع كلما شهرت تلك الابتسامة المحايدة في عيون الناس
الذين لن أعرفهم أبداً.. وكلما همست لي القطرات عن الموسيقى التي تعزفها أمنياتي الطيبة لتلك الفتاة التي لن أعرفها أبداً..
من يعلم لعل السعادة مجرد تلك الحالة التي نشعر بها حين نبحث عن الحقيقة بابتسامة محايدة..